محمد حسين هيكل
321
حياة محمد ( ص )
اللّه عليكم هذا الأمر كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، لما رجعوا عن ردّتهم ؟ دفن النبي وقد كان للعرب في حفر قبورهم طريقتان : إحداهما لأهل مكة يحفرون القبر مسطّح القاع ، والآخرى لأهل المدينة يحفرونه مقوّسا . وكان أبو عبيدة بن الجرّاح يضرح كحفر أهل مكة ، وأبو طلحة زيد بن سهل هو الذي يحفر لأهل المدينة . وحار أهل النبي أيّ الطريقتين يسلكون في حفر قبره . فبعث عمه العباس رجلين يدعو أحدهما أبا عبيدة ويدعو الآخر أبا طلحة . فأمّا المبعوث إلى أبي عبيدة فلم يعد به وجاء المبعوث إلى أبي طلحة به ، فلحّد لرسول اللّه على طريقة أهل المدينة فلمّا كان المساء وبعد أن مرّ المسلمون بالجثمان الطاهر وودّعوه الوداع الأخير ، اعتزم أهل النبيّ دفنه ، فانتظروا حتى مضى هزيع من الليل ، وفرشوا القبر برداء أحمر كان النبيّ يلبسه ، ثم أنزله الذين تولّوا غسله إلى المقرّ الأخير لرفاته ، وبنوا فوقه باللبن وأهالوا التراب فوق القبر . قالت عائشة : ما علمنا بدفن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم حتى سمعنا صوت المساحى من جوف الليل ، وقالت فاطمة مثل هذا القول . وكان دفنه ليلة الأربعاء الرابع عشر من شهر ربيع الأول ، أي بعد يومين من اختياره الرفيق الأعلى . عائشة وحجرة القبر وظلّت عائشة من بعد ذلك تعيش بمنزلها في الحجرة المجاورة لحجرة القبر سعيدة بهذا الجوار الكريم . ولمّا مات أبو بكر دفن إلى جوار النبيّ ، كما دفن عمر إلى جواره من بعد . ويروى أن عائشة كانت تزور حجرة القبر سافرة إلى أن دفن عمر بها إذ لم يكن بها يومئذ غير أبيها وزوجها . فلما دفن عمر كانت لا تدخل إلا محتجبة لابسة كامل ثيابها . ولم يكد المسلمون يفرغون من جهاز رسول اللّه ودفنه حتى أمر أبو بكر أن ينفذ جيش أسامة لغزو الشام تنفيذا لما كان قد أمر رسول اللّه به . وقد أبدى بعض المسلمين من الاعتراض على ذلك ما أبدوا أيّام مرض النبيّ . وانضم عمر إلى المعترضين ورأى ألا يشتّت المسلمون ، وأن يحتفظ بهم في المدينة مخافة أمر قد يدعو إليهم . لكن أبا بكر لم يتردّد لحظة في تنفيذ أمر الرسول ، ورفض أن يستمع إلى قول الذين أشاروا بتعيين قائد أسنّ من أسامة وأكثر منه في الحرب دربة . وتجهّز الجيش عند الجرف وأسامة على رأسه ، وخرج أبو بكر يودّعه . هنالك طلب إلى أسامة أن يعفى ابن الخطاب من الذهاب معه ليبقى بالمدينة يشير على أبي بكر . ولم تمض عشرون يوما على مسيرة الجيش حتى أغار المسلمون على البلقاء ، وحتى انتقم أسامة للمسلمين ولأبيه الذي قتل بمؤتة أشدّ انتقام . وقد كانت صيحة الحرب في تلك الأيام المظفّرة : « يا منصور أمت » . وكذلك نفّذ أبو بكر ونفّذ أسامة أمر النبي ، وعاد بالجيش إلى المدينة ممتطيا الجواد الذي قتل أبوه بمؤتة عليه ، يتقدمه اللواء الذي عقده رسول اللّه بيده . الأنبياء لا يورثون ولمّا قبض النبيّ طلبت فاطمة ابنته إلى أبي بكر أن يردّ عليها ما ترك من أرض بفدك وخيبر . لكن أبا بكر أجابها بقول أبيها : « نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، ما تركناه صدقة » . ثم قال لها : فأمّا إن كان أبوك قد وهب لك هذا المال فإني أقبل كلمتك في ذلك وأنفذ ما أمر به ، وأجابت فاطمة بأن أباها لم يفض إليها بشيء من ذلك ، وإنما أخبرتها أمّ أيمن بأن ذلك كان قصده . عند ذلك أصرّ أبو بكر على استبقاء فدك وخيبر وردّهما إلى بيت مال المسلمين .